حسن بن موسى القادري

238

شرح حكم الشيخ الأكبر

47 - من عرف الحق اشتغل به عن الخلق . ولا يمكن لأحد الاشتغال بالحق والإعراض عن الخلق إلا بالمعرفة ، كما أشار إليه الشيخ قدّس سرّه بقوله : ( من عرف الحق اشتغل به عن الخلق ) أي : الذي عرف الحق بتلجياته الأسمائية والصفاتية أي : بأن عرفه بالأسماء والصفات ، وصدق معه في جميع أحواله اشتغل بالحق تعالى ، وانقطعت هواجسه ، ولم يصغ بقلبه إلى خاطر يدعوه إلى غيره ، ويصير من الخلق أجنبيا ، ومن آفات النفس بريا ؛ لأن هذه المذكورات أوصاف العارف حال كونه معرضا عن الخلق بقطع طمعه عنهم بالكلية فيراهم كالبهائم والأحجار ، بل يجعلهم في العدم ، ويبقى عنده الواحد القهار ، كما هو الأمر عليه في نفس الأمر . فعلم من هذا أن الجار والمجرور وهو ( عن الخلق ) متعلق بقوله : ( اشتغل ) بتضمينه معنى أعرض ، فيجوز أن يجعل المتضمن اسم فاعل أصلا ، والمتضمن اسم مفعول قيدا له كما عرفت ، ويجوز أن يجعل الاسم المفعول أصلا ، وما هو اسم فاعل قيدا له ، فالمعنى حقا من عرف الحق بالمعرفة المصطلحة عند القوم أعرض عن الخلق حال كونه مشتغلا بالحق ، وهذين الأمرين بالنسبة إلى تفسير هذا الكلام كمالا يخفى ، ويجوز أن يكون ( اشتغل ) بمعنى أعرض مجازا ، ويكون الباء في قوله : ( به ) سببية أي : أعرض بسبب الحق عن الخلق ، وذلك لما مرّ في شرح قوله : ( من لم يمت حسه لم يعرف نفسه ) فارجع إليه فإن فيه بيانا شافيا ، وحاصله أن العارف ممتنع من شهود الغير مع الحق تعالى حيث لا غير عند العرفان تأمل يا إنسان ، واكتف بالإشارة ، ولا تطلب البيان . وقد مرّ في هذا الكتاب أن اللّه تعالى خلق الأشياء للإنسان ، وخلق الإنسان لنفسه ، وليس فيه ما يكون لائقا بجناب الحق تعالى سوى قلبه ؛ لأنه يسعه كما ورد في الحديث القدسي والقلب واحد ؛ لأنه ما جعل تعالى لرجل من قلبين في جوفه ؛ لأنه واحد يكفيه الواحد إذا اشتغل بأحد الشيئين يحرم عن الاشتغال بالآخر ، فالقلب إذا كان اشتغاله بالخلق يكون محروما عن الاشتغال بالحق ، ومتى كان بالحق يحرم عن الخلق ، والحق باق ، والخلق فان ، والحرمان عن الفاني أولى من الحرمان عن الباقي ، بل الفاني وجوده حرمان فضلا عن عدمه ، ولذا قلوا في الدنيا : وجودها عدم وعدمها حياتها ممات ومماتها حيات زوالها بقاء ، وبقائها زوال وغير ذلك ، وحاصل ما ذكره الشيخ أن العارف باللّه بتجليه في